سهيلة داود سلمان

كاتبة عراقية

سهيلة داود سلمان

قاصة و روائية و مترجمة و اعلامية عراقية من رواد الادب الحديث. ولدت عام ١٩٣٢ في العراق، مُنِحت شهادة بكالوريوس في اللغة العربية و آدابها من جامعة بغداد عام ١٩٥٦.ـ
مارست كتابة القصة والرواية والترجمة والصحافة والنقد الادبي والمقالة. حيث بدأت الكتابة والنشر منتصف الستينات ونشرت اول مجاميعها القصصية بعنوان انتفاضة قلب عام ١٩٦٦.ـ
مارست العمل التربوي في مواقع مختلفة من ضمنها مُدرِسة للغة العربية في متوسطة الصالحية للبنات في منتصف الستينات ومديرة لمدرسة الموسيقى والبالية للفترة من ١٩٧٧ ولغاية ١٩٨٠ و مديرة سينما الفانوس السحري منتصف الثمانينات.ـ
انتقلت للعيش في عمان/ الاردن حيث قضت اواخر سنين عمرها هناك وتوفيت عام ٢٠١٩ بعد معاناة مع المرض. رحلت تاركه بصماتها في الادب الحديث والمعاصر.ـ

وجه الاديبة سهيلة داود سلمان عمل النحات الفنان خالد الرحال

منشوراتــها

لا تدهش يا صاحبي ان وصلتك رسالتي هذه، فقد مرت سنوات وان بدت قصيرة فهي طويلة. وطويلة جدا بالنسبة لي مذ التقيت بك آخر مرة حتى رأيتك أمس.. أجل أمس..

كانت السيارة تسير بي في إعياء وكلال وهي تلف ساحة النصر، وكانت الثالثة بعد الظهر، من تلك السويعات الكسلى المتثائبة من ظهريات الربيع الحزينة في بغداد ..

الشمس تلهب ذراعي ووجهي فاشعر معه بالكسل والتراخي حتى ليكاد مقود السيارة ان يفلت من يدي.. وفي تلك اللحظة بالذات .. رأيتك .. ابطأت السرعة حتى كاد المرور ان يتوقف .. كنت تسير برفقة شخص يبدو وكأنه صديق اثير لديك.

 الطريق السريع-

 الثانية بعد الظهر في حانوت الجزار-

في دار القرار-

خالتي ام مالك عضها حصان-

الكرسي الهزاز-

لارا-

القهر – رواية من اربعة فصول-

المساء.. المساء-

السر-

عودة الى الماضي-

حتى اشعار اخر-

 

كان الصمت يغلف المكان الا من حفيف المطر الذي صار همساً.. و دخان يتصاعد من مداخن مدفآت الحطب التي تشتعل داخل بعض القاعات، فتمتزج رائحة الدخان برائحة أخشاب الصنوبر العطرة.ـ

وتوقفنا تحت شجرة جوز هند عملاقة..كانت نبتة صبار وحشية، شاخت فتهدلت قرب صخرتين كبيرتين تلتمعان بألوان مختلفة  و هما تغتسلان بوهن تحت المطر.. و من كوخ وحيد في أسفل المنحدر الغربي، يكسو سطحه القرميد.. و تعبث بستائره الشفافة نسائم هادئة، كان ينبعث لحن كنائسي لأغنية فرنسية قديمة:ـ 

“من زمان بعيد و أنا أحبك

ما نسيتك قط..”ـ

كان منتشياُ.. بينما فرشاة الحزن تمسح عليّ بسمات رقيقة..ـ

في عقد السبعينات حيث كانت دماء الشباب ساخنة تجري في عروقنا حاملة مشاعر وطنية عارمة، رحل مجموعة كبيرة من الأساتذة و المدرسين من كل البلاد العربية كما يرحل الجنود الى الجبهة للاشتراك في تعريب الجزائر. كنت من بين هؤلاء الجنود المجهولين. و في القسم الداخلي من أحد المعاهد التي خصصت لاقامتنا المؤقتة قبل ان نوزع على مدارس القطر و معاهده. التقيت مسعودة أول مرة. كانت ضمن الوفد الذي جاء لاستقبال الموفدين لتحيتهم و الوقوف على احتياجاتهم و كانت ببشاشتها و دماثتها تشعرك بأنك لست غريباً و أن كل شئ سيكون متيسراً. كنت اراها كل يوم اكثر من مرة و سرعان ما ألتفتها.. ثم عادت الى مدينتها “وهران” و التحقتُ أنا بأحد المعاهد في العاصمة، و لم أعد أراها بعد ذلك حتى عطلة العيد.ـ

اندست بين الركاب، وجهها شاحب وعيناها محتقنتان وضعت الحقيبة ذات القماش الكتاني المشمع بين قدميها وشعرت بما يشبه الاغماء فاغمضت عينيها واستسلمت للطريق. تحرك الهواء فلفح وجهها المبلل بالعرق فتحت عينيها فرأت امرأة صبية امامها تحدق فيها بفضول ثم استفسرت:ـ

ـ-(امريضة ، هل تحتاجين شيئا؟!) هزت رأسها وشكرتها . المرأة الصبية توجه الكلام الى النساء الاخريات وهي تحرك الهواء بيدها:ـ

ـ-( اب اللهاب) وتضحك. تتناول امراة اخرى مسنة الحديث وتقول:ـ

ـ-( اجدادنا في قديم الزمان قسموه ثلاثة اقسام الاول منه يحرق البسمار بالباب والثاني يقلل الاعناب ويكثر الارطاب 

الكثير من الروايات تأتينا من غابر الأزمان، منها ما هو مختلق أصلا ومنها ما هو محرف. هذا ما اريد طرحه هنا فيما يخص الرواية التي تناولها المسلمون قبل غيرهم، من أن النبي الكريم كان أميا.. و ما أستندوا اليه و ما اختلقوه من قصص.ـ

أولا: نحن نعرف ان اول سورة نزلت على سيدنا الرسول الكريم، أو أوحى اليه بها هي: اقرأ بأسم ربم الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لا يعلم. من كلمة (اقرأ) رووا القصص بأن محمداً لم يكن يقرأ، حجتهم أنه أجاب الوحي قائلا ” ما أنا بقارئ ” لو كان هذا صحيحا فلنحلل الجملة.ـ

مقابلة مع الكاتبة في مهرجان المربد التاسع 1989 - معرض بغداد الدولي

البوم صور

­ـ«أيُّ» وأيَّةُ وسطوة المتنبي بقلم سهيلة داود سلمان

اضغط هنا لقراءة المنشور في الموقع الذي نُشِرَ به المقال

ذات يوم وفي ساعة دهمتني فيها سلطة الكتابة، وإذا بكلمة «حال» تحشر نفسها بين سطوري وتسبب لي قلقًا، إذ ليس معي المنجد ولا أي قاموس آخر، واحترت كيف وعلى أي نحو أكتبها.. أأقول «هذا الحال» أم «هذه الحال».­ـ
وفجأة تذكرت أن إزائي في المكتب المجاور، وكنا في وزارة الثقافة، شاعرًا كبيرًا. فذهبت إليه أستنجد به، لم يجبني شاعرنا الكبير وإنما قطب لي جبينه وهو يرمقني بنظرة أحسست بها استنكاره لسؤالي، وهو يتلو عليَّ صدر بيت المتنبي:­ـ
­ـ«عيد بأية حال عدت يا عيد»، وهو بذلك يقصد أن «حال» هي مؤنث لأنها مسبوقة بكلمة «أيّة» المؤنثة.­ـ

ظل بيت المتنبي هذا يشغلني حتى بعد أن عرفت بعد عودتي إلى البيت أن كلمة «الحال» التي تعني «صفة الشيء وهيأته وكيفيته، تؤنث وتذكر»، وعلى أثر ذلك تنبهت إلى أن الكثيرين من المثقفين، لا سيما الأدباء منهم، قد دأبوا على استخدام عبارة «على أية حال» هكذا، يستخدمونها عند الوقف في أثناء حديثهم وبكثرة، وكأنها لازمة لا بد منها مع الحرص على إضافة تاء التأنيث على «أيّ».­ـ
بينما لا يجوز هذا، ولا بد أنهم وضعوا نصب أعينهم بيت المتنبي «عيد بأية حال».­ـ
فهل كان المتنبي، أبو الطيب، طيب الله ثراه، يجهل أن «أيّ» لا تدخل عليها تاء التأنيث؟ كما أنها لا تؤنث سواء لحقها مؤنث أو مذكر، وأن المتنبي اضطر إلى إضافة التاء ليستقيم بيته الشعري، لأن للشعر أحكامه، ولأنه، رحمه الله، لم يكن يكتب قصيدة نثر، بل كتب شعره كله على إيقاع الخليل.­ـ
وكان يجوز للشعراء ما لا يجوز لغيرهم في تلك العصور، الحذف أو الإضافة، بل حتى الخروج عن قواعد النحو أحيانًا. وبإمكان المهتمين بهذا أن يرجعوا إلى «شرح ابن عقيل» «لألفية ابن مالك» ليجدوا الأمثلة لذلك كثيرة.­ـ
إن كان المتنبي مرجعًا، وهو أهل لأن يكون كذلك، فالقرآن الكريم هو المرجع الأول في الفصاحة اللغوية.­ـ
إن «أيّ» وردت في القرآن الكريم 46 مرة في ست وأربعين آية، إحدى عشرة آية منها فقط مضافة إلى مذكر، أما الباقيات فكلها مضافة إلى مؤنث. ومع ذلك بقيت «أيّ» هي هي.­ـ
وأورد بعض الأمثلة:­ـ
­ـ• }وما تدري نفس بأيّ أرضٍ تموت{ من سورة لقمان، و«الأرض» مؤنث.­ـ
­ـ• }ويريكم آياته فأيَّ آيات الله تنكرون{ من سورة غافر، وآيات جمع «آية» وهي مؤنث.­ـ
­ـ• }في أيّ صورة ما شاء ركبك{ من سورة الأنفطار، و«صورة» مؤنث.­ـ
­ـ• }فبأيّ آلاء ربكما تكذبان{ من سورة الرحمن، وآلاء مؤنث.­ـ
­ـ• }وخلق الجان من مارج من نار، فبأي آلاء ربكما تكذبان{ من سورة الرحمن.­ـ
­ـ• }رب المشرقين ورب المغربين، فبأي آلاء ربكما تكذبان{. وتتكرر على هذا النحو في سورة الرحمن وحدها «31» مرة.­ـ
­ـما دفعني إلى كتابة هذه الكلمة أن زميل الحرف الصديق عبدالرحمن مجيد الربيعي، أهداني، مؤخرًا، آخر إصداراته، وهي عبارة عن مذكرات وسيرة ذاتية، وقد صدر الكتاب عن دار الآداب في بيروت وعنوان الغلاف:­ـ
­ـ«أيّةُ حياة هي»؟!­ـ
سهيلة داود سليمان

رحيل القاصة سهيلة داود رائدة الادب النسوي الحديث بقلم زينب المشاط

رحيل القاصة سهيلة داود سلمان رائدة الادب النسوي الحديث

اضغط هنا لقراءة المنشور في الموقع الذي نُشِرَ به المقال

عراقيات/ زينب المشاط
قبل أيام قليلة، غادرت المشهد الثقافي، والنسوي واحدة من أهم الاصوات الادبية المختصة بكتابة القصص القصيرة، بل هي من الرواد، القاصة الرائدة سهيلة داود سلمان، وافاها الاجل بمحل اقامتها في عمان...­ـ
وصف الناقد الاكاديمي د. نجم عبد الله كاظم القاص سهيلة داود سلمان بأنها اهم كاتبة للقصة القصيرة في العراق، في كتابه الصادر عام 2014 ((بغداد البعد يقترب.. دراسة وقصص قصيرة مختارة من العراق)).­ـ
ولدت القاصة سهيلة داود سلمان في بغداد عام 1937، وبعد دراستها عملت في مواقع مختلفة منها مديرةً لمدرسة الموسيقى والباليه، ومارست كتابة القصة والرواية والترجمة والصحافة والعمل التربوي. بدأت الكتابة والنشر في منتصف الستينيات، ونشرت أولى مجاميعها القصصية، وهي “انتفاضة قلب”، عام 1966، ولكنها تنتمي إلى قاصّي ما بعد الستينيات أكثر منها إلى قاصّي جيل الستينيات من حيث فنية الكتابة وتوجهاتها، من مجاميعها القصصية، عوضاً عن “انتفاضة قلب”، “كان اسمه ضاري”- 1978- و”اللقاء”- 1989- و”القهر”- 1994- التي ضمت، إلى جانب القصص القصيرة، رواية قصيرة تحت عنوان “القهر”، و”هي وحي الأمجاد ومسعودة”- 2012.­ـ
عدّت مجموعة”انتفاضة قلب” من اهم مجاميعها الادبية، فهي وكما عرفت وريثة تولستوي وفرجينيا وولف، حيث استطاعت ان تشد الكاتب بجملها القصيرة البسيطة، النافذة الى اعماقه، وهي بارعة بالتقاط اللحظات الانتقالية، التي تجرّ الكاتب بلهفة وتشويق، حكايات المجموعة مليئة بالحديث عن المناطق و”الدرابين” العراقية، وعن هموم الفئة المثقفة بالمجتمع العراقي، وتتضمن المجموعة قصصاً رومانسية حالمة كقصة (انتفاضة قلب) و قصة(بعدك..لن يضاء قنديلي)، بالرغم من قلة إنتاج سهيلة داود سلمان الادبي الا أنها تركت بصماتها في الأدب الحديث بلا صخب مجاني.­ؤ

في رحيل الكاتبة الرائدة سهيلة داود سلمان بقلم ميسلون هادي

قبل قليل سمعت خبراً حزيناً جداً هو رحيل الصديقة العزيزة الكاتبة الرائدة سهيلة داود سلمان بعد معاناة طويلة مع المرض وفقدان أحبتها في الغربة..  كانت مرهفة جميلة وأنيقة.. وعندما كانت في بغداد كنت ألتقيها بزيارات منتظمة، أو بالصدفة عندما أراها تقود سيارتها بمفردها،  أو مع زوجها السفير السابق إحسان القصاب.. وفي يوم من الأيام مازحتها حول حذاء جميل كريمي اللون كانت ترتديه، وقلت لها سأستعيره لقصة جديدة أكتبها، وأجعل بطلة القصة ترتديه.. ولهذا أعيد نشر هذه القصة، التي كنت قد كتبتها في التسعينات، وأهديتها لها عند نشرها😥😔.ـ

دانتيللا .. في يوم ممطر.­ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

.ـإهداء: إلى سهيلة داود سلمان بمناسبة يوم ممطر

لم تسمع البائع وهو يناديها لتعود إليه، وتأخذ ورقة منفردة من فئة المئة دينار هي الباقي من ألفي دينار دفعتها له لشراء كيلوين من البطاطا وكيلو واحد من اللالنكي*. التفتت المرأة إليه ، بعد أن علا صوته بالصياح ، فرأته يلّوح لها بالورقة الزرقاء، وهو لا يزال ينادي خلفها بطريقة صاخبة وخرقاء .. حاولت أن تفهم ماذا يريد منها البائع بالضبط ، وعندما عادت إليه لتفعل ذلك ، تذكرت بأنها قد أخذت حاجياتها ومضت دون أن تأخذ منه باقي النقود.ـ

لم تعد تستغرب كثيراً لهذه النسيانات التي كانت تضعها في مواقف محرجة كثيرة من هذا النوع .. وحمدت الله في سرها أنها لم تأخذ حاجياتها وتمضي دون أن تدفع النقود للبائع ، كما حدث لأكثر من مرة ، لانها لو كانت قد فعلت ذلك لكان الموقف أكثر إحراجا وإثارة للخجل .ـ

 عمي الناس دايخة.ـ

قال الصبي لعمه البائع … وهو يعيد بعض حبات اللالنكي من جوار الميزان ويرتبها في السلة الموضوعة خارج المحل .. تدحرجت إحدى الثمرات على الأرض دون أن يلحظها الصبي فنبهه إليها صاحب المحل بهزة من رأسه، ثم نظر إلى السماء وقال:ـ

ـ– السماء ملبدّة بالغيوم … يجب ان ننقل السلال إلى داخل المحل.ـ

قال الصبي :ـ

ـ– سأفسح لها المجال في الداخل أولاً.ـ

وكان لا يزال يفكر بالمرأة التي كانت قد ابتعدت عنهما قليلاً، ووقفت تنتظر على الرصيف وهي تحمل كيس البطاطا في يد، وكيس اللالنكي في اليد الأخرى . قال الصبي لعمه البائع :ـ

ـ– الأكياس توشك على النفاذ .. لم نعد نلحق عليها وقد أصبحنا نستعمل كيسين بدل الكيس الواحد للحاجة الواحدة.ـ

نقلت المرأة كيلو اللالنكي الذي كان موضوعاً في كيس مفرد أسود اللون إلى الكف الأخرى، حيث يتدلى كيسان أسودان يبطن أحدهما الآخر لكي يتحملا سوية ثقل البطاطا .. ثم رفعت الكف الأيسر فوق رأسها لتحميه من المطر الذي بدأ يتساقط .ـ

قال البائع:ـ

ـ-ماذا نفعل الأكياس القوية أصبحت غالية الثمن .. والأكياس الأقل سعر لا أمان لها .ـ

كانت المرأة قد أخرجت لسانها لنفسها في المرآة قبل أن تخرج من البيت .. فقد شعرت أن جمالها  الفاتر لم يعد له وجود اطلاقاً بعد اختفائه تحت كوكتيل من الثياب لا يمت بعضها إلى بعض لأي صلة من صلات الذوق المعروفة .. بعض تلك الأسمال ، كما كانت تسميها ، هي فساتين محورة عن تلك الثياب الفاخرة التي ارتدتها أثناء شهر العسل وبعده قبل اكثر من عشر سنوات . والبعض الآخر يعود إلى زمن الحقائب الكبيرة التي تحتفظ بداخلها بكل الأصواف الغالية مطوية بين حبات النفتالين لحين تكبر بناتها الصغيرات وتدورالأيام دورتها من جديد لتدير معها الرؤوس وتقلب القديم جديداً والجديد قديماً دونما سبب محدد أو مهم.ـ

وبالرغم من أن خامات تلك الملابس لا تزال تحتفظ برونقها البهي الذي كانت عليه فيما سبق ، إلا أن حجومها الفضفاضة  وموديلاتها القديمة كانت تجعلها تبدو امرأة أكثر تعاسة وأكبر سناً مما هي عليه فعلاً .. نظرت إلى الحذاء الكريمي المصنوع من الدانتيللا المبطنة بالجلد  ،  و تذكرت أنها عندما همت بخلعه أمام زوجها لأول مرة بعد عودتها معه من الفندق الذي قضيا فيه شهر العسل ، قال لها أن لونه الأشهب المائل إلى البياض ليس أكثر إشراقاً من اللون الحليبي الطازج لقدميها الجميلتين.ـ

ـ-لم يعد الصبي منشغلاً بالنظر إلى المرآة بعد أن احتمى مع سلال الفاكهة داخل المحل .. وعندما سأله صاحب المحل عن الوقت، قال دون أن ينظر إلى ساعته المتوقفة عن العمل :ـ

ـ أنها السادسة والنصف.ـ

قال العم :ـ

ـ– هل أذن للعشاء ؟

قال الصبي :ـ

ـ– ليس بعد.ـ

السيارات المسرعة تركت فسحة للمرأة كي تعبر أخيراً وكانت الأكياس السوداء لا تزال موضوعة في كفها الأيمن … وكفها الأيسر مرفوعة فوق رأسها لحمايته من المطر الذي خفت شدته وأصبح يسقط رذاذاً . خطوتان وأصبحت المرأة في نهر الشارع ثم خطوة ثالثة وتلكأت المرأة .. تأرجحت حركتها .. شعرت بشيء ما يتخلخل داخل الأكياس .. يتحرك.. ثم خطوة أخرى وخف وزن اللالنكي وأصبح بلا ثقل كالهواء …………………ثمرة واحده انفطرت وتمزق قشرها البض فور سقوطها على الأرض، أما الأخريات فطاشت وتبعثرت بعيداً منها في كل اتجاه . جمدت المرأة في مكانها لا تعرف ماذا عليها أن تفعل بالضبط .. بدا عليها أنها تنظر إلى ما حدث تواً وكأنه شيء لا يحدث لها وإنما لشخص آخر. بل بدا، وكأنها تنظر إلى شيء لم يحدث على الإطلاق، وأنه لا يمكن لهذا الكيس المبعثر على الأرض أن يكون الكيس نفسه الذي كان في يدها قبل قليل، والذي يجب أن يكون في اليوم التالي داخل باص للرحلات المدرسية يقل ابنتها إلى القبة الفلكية في متنزه الزوراء .ـ

بدا عليها صعوبة أن تصدق أن الخطأ  الذي حدث قبل قليل يمكن تلافيه أو تصحيحه فوراً ، فالسيارات مقبلة من بعيد، ولن تستطيع في هذا الجو المدلهم أن ترى ثمرات اللالنكي فتتفاداها …لم تعرف ماذا عليها أن تفعل في تلك اللحظة .. وهجست أن على كل تلك السيارات أن تتوقف في الحال، وتترك لها المجال لكي تلم ما تبعثر منها على الأرض .. شعرت أنه ليس ثمة وقت للتفكير أو الانسحاب وليس ثمة قدرة لديها أن تواصل عبور الشارع، وتترك حبات اللالنكي وراءها نهباً لعجلات السيارات .. وبدون أن تعي ما تفعله تماماً انحنت على الحبات تلمها من على الأرض وهي لا تعرف أو تقدر كيف ستتفاداها السيارات وهي تقبل مسرعة بعد لحظات . هي بالأحرى لم تكن تفكر بذلك أثناء انشغالها بجمع ثمارها القليلة المبعثرة على الأرض،  كما لم تكن تعرف السبب الذي من أجله توقفت كل السيارات في لحظة واحدة، وكأنها تمتثل ليد خفية توقفها عن الحركة، كما يحدث أحياناً في أفلام السينما .. رفعت رأسها لتتبين حقيقة ما يحدث فرأت شابين يقفان في نهر الشارع ويحولان بينها وبين السيارات التي توقف بعضها على مضض ، توقف أيضاً بائع الخضروات وهو في طريقة إلى صلاة العشاء، وقبل أن يتململ ملتفتاً إلى محله، سبقه جاره القصاب وحمل إلى المرأة كيساً جديداً تضع فيه ثمار اللالنكي بدلاً من الآخر الذي تمزق ..تلفت يمسح الأرض بعينيه على عجل ثم هرول وعاد إليها بثمرة كبيرة كانت قد تدحرجت بعيداً عنها واستقرت قرب الرصيف . شكرته المرأة بقوة وقالت :ـ

ـ– ليحفظك الله.ـ

ثم نظرت إلى الشابين الواقفين في نهر الشارع وقالت :ـ

ـ– ماذا حدث؟

وبدا واضحاً أن همهمات الناس وأصوات مزامير السيارات كانت خارج مجال النفق الذي خرجت منه لتوها بكيلو من اللالنكي ، طالما اعتقدت جازمة أنه أخف وزناً من كيلوا البطاطا أو كيلو البصل أو كيلو الطحين ولكنها كانت تشعر ، في تلك اللحظة ، بوجوده ثقيلاً ومحسوساً بين أصابعها إلى درجة أنها لم تشعر بالحزن لأن حذاء الدانتيللا ذا اللون الكريمي المائل إلى البياض قد تلطخ بالوحل وأصبح مبللاً تماماً.ـ

بغداد /1998

ـ* عاميه عراقية لنوع من الفاكهة يطلقون عليها في بعض الأقطار العربية اسم “اليوسف أفندي”.ـ